الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
203
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو مما شمله قوله تعالى : لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . وقوله : كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ، الإشارة إلى القتل المأخوذ من قوله : فَاقْتُلُوهُمْ أي كذلك القتل جزاؤهم على حد ما تقدم في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] ونكتة الإشارة تهويله أي لا يقل جزاء المشركين عن القتل ولا مصلحة في الإبقاء عليهم ؛ وهذا تهديد لهم ، فقوله كَذلِكَ خبر مقدم للاهتمام وليست الإشارة إلى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 190 ] لأن المقاتلة ليست جزاء ؛ إذ لا انتقام فيها بل القتال سجال يوما بيوم . وقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي فإن انتهوا عن قتالكم فلا تقتلوهم ؛ لأن اللّه غفور رحيم ، فينبغي أن يكون الغفران سنة المؤمنين ، فقوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ جواب الشرط وهو إيجاز بديع ؛ إذ كل سامع يعلم أن وصف اللّه بالمغفرة والرحمة لا يترتب على الانتهاء فيعلم أنه تنبيه لوجوب المغفرة لهم إن انتهوا بموعظة وتأييد للمحذوف ، وهذا من إيجاز الحذف . والانتهاء : أصله مطاوع نهى يقال : نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن عمل أو عن عزم ؛ لأن النهي هو طلب ترك فعل سواء كان الطلب بعد تلبس المطلوب بالفعل أو قبل تلبسه به قال النابغة : لقد نهيت بني ذبيان عن أقر * وعن تربّعهم في كل أصفار أي عن الوقوع في ذلك . [ 193 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 193 ] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) عطف على جملة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [ البقرة : 190 ] وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة ؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة المبيّنة . وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 191 ] إلى هنا تفصيلا لجملة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ؛ لأن عموم الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ تنشأ عنه احتمالات في الأحوال والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال